Saturday, November 18, 2006

......... أن تكون هناك


ترتيل

"قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما عُلّمْتَ رشدا ، قال إنك لن تستطيع معي صبرا ، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا

مفتتح

شاهدت مرارا فيلم بيتر سيلرز "
أن تكون هناك" ، وكلما رأيته يمشي علي الماء في المشهد الأخير، أتذكر المسيح والحلاج وفريدالدين العطار والسهروردي، والعبد الصالح .. وحكاية جدي القديمة.

محاولة أولي

حكي الجد الكبير فقال: كانت هناك سفينة تحمل بعض المسلمين الأوائل لغرض التجارة والبشارة. وحدث أن جاءت عاصفة قوية جعلتهم يحيدون عن مسار الترحال ، وألقت بمركبهم علي ساحل جزيرة صغيرة نائية غير معلومة. وجد الرجال هناك رجل صالح يصلي وقبلته مسقط الشمس، ولا يتبع عدد الركعات المعروف لكل صلاة. بعدما فرغ رجل الجزيرة من صلاته، سألهم عن حالهم وقدم لهم الطعام والعون والنصيحة حتي يعاودوا سفرهم. رق الرجال المسلمون لحاله وسألوه: من علمك الصلاة؟
فأجابهم: رجل مسلم عابر منذ زمن.
فقالوا له: صلاتك غير جائزة .. فلابد وأن تكون قبلتك مكة وعدد الركعات كذا وكذا لكل صلاة.
فشكرهم الرجل ووعد أن يتبع ماعلموه.
هم الرجال بالرحيل وركبوا سفينتهم الي قبلتهم. بعد مسيرة يوم ودورة شمسية واحدة، شاهدوا علي البعد رجل الجزيرة يمشي نحوهم علي "الماء" وهو يشير بكلتا يديه أن يتوقفوا. لم يصدق الرجال ما رأت أعينهم، وجاء إليهم الرجل وكلمهم واقفا وقدماه تكاد تلمس سطح البحر
وقال: أستميحكم عذرا، أنا رجل هرم وقد نسيت بعضا من علمكم ..
كم ركعة لابد أن أؤديها لصلاة العصر؟
نظر الرجال الي بعضهم وقال أحدهم: أيها الرجل الصالح، صل كما تشاء.

نشوء الحيرة

إن
التحليل النفسي الفرويدي هو فن تفكيك رموز الحقيقة في كل القطاعات الغامضة للتجربة الانسانية كما يعيشها الانسان، أي كما 'يرويها' للآخرين أو لنفسه. وتبعه يونج بالقول بأن الإصرار الذي تعبِّر عنه الأحلام يشير إلى معنى غائيٍّ ما، وأن التحويل هو تبلور خاطئ للاوعي، وأن اللاوعي يميل ظاهريًّا نحو شخصية إنسانية (هي الطبيب في الحلم)، ولكنه في حقيقة الأمر يبحث عن الألوهة.
كما أعتبر يونج أن صورة الألوهة التي تمتلك وجودًا تاريخيًّا وانتشارًا عالميًّا عدَّلتْها النفسُ في عملها الطبيعي وأعادت تشكيلها. فالأمر يتعلَّق بنموذج بدئي أعادت طريقةُ تفكيرنا إحياءَه. إنها طريقة تفكيرنا القياسية analogical القديمة التي لا تزال حية في أحلامنا.
وسواء إتبعنا المنهج الفرويدي القائم علي "فك الشفرة" أو منهج النماذج البدئية ليونج ودلالة الرمز الاسطوري أو اللغة المنسية لإريك فروم .. يبقي الحلم في كينونته عبارة عن "أمنية" أو "فكرة قلقة" مغطاة بطبقات كثيفة من الضباب يجعلها صالحة للتأويل.

حلم إيرما
فرويد علي كنبة التحليل النفسي

عندما أراد فرويد تجربة مدرسته في تفسير الأحلام بدأ بنفسه وهو مايعرف في كلاسيكيات التحليل النفسي بحلم إيرما. ومن خلال تفسيره لم يتطرق فرويد إلي إرجاع أي جزء من حلمه إلي اللبيدو أو رغبة جنسية مكبوتة. مع أن أي محلل نفسي سوف يري وضوح اللغة الاولية واسقاطاتها الجنسية، ورغبته الشديدة في أن يكون ذو قدرة جنسية عالية وقلقه الشديد الناتج عن مثلث المرأة في حياته بين زوجته وشقيقتها وابنته آنا فرويد. هل كان فرويد يعاني حالة من حالات الإنكار؟ وهو صاحب العدمية والقول بإن الجنة والنار والدين والحياة الأخري ، هي عملية إنكار للموت.
لابد أن أذهب إلي فيينا .. وأسأله.

محاولة للكشف

سؤال أسأله لنفسي طوال الوقت: هل الإنسان كائن عصابي منذ الولادة؟
إن النفس الإنسانية تحتوي مناطق ومكوِّنات مظلمة. والقاسم المشترك هو اللا يقين ، إذ تتلاشى الشخصية وحدود الأنا في أغلب الحالات مابين خضوع لعناصر اللاوعي أو الإختباء مع وجود إرادة مصرة على السيطرة تتجاوز الثقة وتأكيد الذات.

رقائق فكرية

مابين حكاية الجد وحلم فرويد مساحة للتأويل وزمن للتداعي. هل دوافع الأنسان تقف علي عتبات اللاوعي غير مدركة مايتبعها، أم أن العقل الفاعل والإرادة الخاصة قادرة علي تجاوز العصاب والرؤية المحكومة بتهاويم اللاوعي. إن معرفتنا الحالية عن اللاوعي تبدي أنه ظاهرة طبيعية، وأنه حيادي مثل الطبيعة. إنه يحتوي كل مظاهر الطبيعة الإنسانية: النور والظل، الجمال والقبح، الخير والشر، العمق والسطحية. لذلك علينا أن نفتح آفاقا جديدة لفهم الرمزية الفردية والرمزية الجماعية ليس فقط من خلال النوازع الطفولية والصراع والقلق أو النماذج البدئية، بل من خلال طرح رؤية تكاملية للكون والانسان. ولا أدري لماذا أتذكر الآن أن البوذية كديانة تكاد أن تخلو ـ في أدبياتها ـ من أي تدخل سماوي آلهي .

الإيمان دوجما والخطيئة طريق للخلاص والصدفة ليست صدفة علي الإطلاق .. ولو خبر موسي ماخفي عنه ماكان العبد الصالح ليوجد. فنحن فرادي وواحد ومانعطيه لبعضنا البعض وما نمرره للآخرين هو زاد الحياة، وكل مرحلة تؤدي لآخري، وكل دورة تفضي لثانية وهكذا.

ربما ، يكون الإنسان سماويا نقيا طاهرا
ربما......

"يمكن قراءة المقال من النهاية إلي البداية .. قد يكون هذا أكثر منطقية ".

Monday, November 13, 2006

الطريق إلي المدرسة ..

إهداء: إلي الصديق علاء صاحب مدونة خريف البطريرك .. وإيماتيور صاحب مدونة بلاسيبوس
...... وكل من يتذكر مدرسة العباسية الثانوية العسكرية بنين بالأسكندرية


"لو أعرف للفراق موطنا، لسعيت إليه .. وفرقته."

............ بعد سبع وثلاثين دورة من دورات الأفلاك


ريحانة من السفر الأول

كان فعل اليقظة لديه يشبه إنهيارا تاما. فهو كائن ليلي منذ تعلم آدم الأسماء كلها. وكثيرا ما تفوق بجدارة علي ألد أعدائه: ضوء الصباح الذي يخترق الزجاج المعشق الملون لشباك غرفته ، وصوت العصافير التي عششت في ثنايا جدران "المنور" الخلفي للبيت القديم والمغطي تماما بنباتات لبلابية شديدة الخضرة والعنف. لذلك أقسم أنه يوما ما ، سوف يصنع غذاءا شهيا من بيض العصافير الأرقط المتناهي في الصغر ... ـ عشرون بيضة تفي بالغرض ـ
ومن المستحيل أن يكون إفطارا ، فهو يكره وجبة الأفطار إكراما لماركس

"يا بني إصحي علشان تروح المدرسة"

ملتقي خاطف

بعيون نصف مغلقة تبدأ رحلته الطقسية بين الحمام والمطبخ لتحضير النسكافيه ماركة نستله ـ حيث أن ماركة مصر كافييه محرم إستخدامها دوليا وشرعيا ـ وهو مادعا أخيه الأصغر للتشنيع عليه بأنه حالة وسواس قهري كلاسيكية. صوت الراديو القديم في حجرة المعيشة يتسلل من بعيد إلي أذنيه ـ علي إستحياء ـ
- فونتا ستيكا فون فون تا ستيكا .. برنامج صنع الفابريكة
كان يعلم تماما صوت إجلال زكي .. ويفضله
- ثم صوت شادية ..
الشمس طلعت من بعيد
جايه ومعاها يوم جديد
يجعل نهارنا نهار سعيد

لم يعلم لماذا هذا الأصرار علي أن يكون الصباح منعشا والنهار سعيدا .. ودائما ما كان يتذكر المشهد الكوميدي من الفيلم القديم حينما يخرج "حسن فايق" وهو يدعو الله: يارب إجعل صباحنا لبن حليب...وبعد دقيقة يصطدم ببائع الزبادي ويغرق في بضاعته، ثم ينظر إلي السماء ويقول: أنا قلت لك لبن حليب مش لبن زبادي

"في صباح كهذا .. ماذا ستفعل ؟"

وصل في فصل

يفتح باب البيت الكبير علي إتساع الميدان الفائق الإستدارة لدرجة الكمال، تتوسطه نافورة جافة لاتعمل أبدا، ومن خلفها يبدو سور النادي كسد أبيض يفصل بين الرصيف العريض ومساحة خضراء ممتدة، وعلي يمين واجهة البيت ، شجرتان تتهامسان فيما بينهما عن أسرار كثيرة لم يعرف عنها أي شىء.فكر كثيرا أن يسمي الميدان الهاديء بإسمه .. بشرط هدم السقوف للفيلات القديمة المجاورة، لتخفيف العبء علي الجدران


وصل في وصل

يترك وراءه الميدان النائم والخالي من الدكاكين إلا محل الزهور "فيوليت"وصاحبه القبطي ذو الوجه الهادىء والذي يستمع الي تراتيل الآحاد طوال الأسبوع.
- صباح الخير ياعم لطف الله
- صباح الخير يا دكتور
- ياعم لطف الله أنا في أولي ثانوي
- بس والله شكلك دكتور .. صباح الورد
- صباح زهرة الأوركيد السوداء .. صباحك فل.
يعبر الطريق الاسفلتي الواسع شديد السواد وخطوطه البيضاء البارزة ، كوجه أفريقي خرج لتوه من طقس ديني. أشجار الصبار اليابسة تحف الطريق علي الجانبين، وشمس الثامنة صباحا .. بعيدة، والمئذنة عالية ومطمئنة


".. والله، من الممكن أن يصبح هذا الصباح جميلا"

لن أحاول إكتشاف طرق جانبية، وسأبدأ الصعود من نقطة البداية، القنصلية الصينية كتنين رابض يحمل فوق رأسه طبق الساتلايت الدائري الهائل. لن أحرم نفسي من المشي في ثقة.. الشمس ضاحكة كفستان أنثي، وثمة موسيقي تتردد في أذني بعدما سمعت صوت الشيخ البهتيمي صاحب الأسرار وهو يقرأ سورة الكهف قبل أن أغادر المنزل.أخترق الشارع الممتد علي إتساع النظر، وأري فيلا لورانس داريل تقرأ في صمت رباعيات الاسكندرية، وتصنع أشجارها الكثيفة كورس ذو طابع يوناني تراجيدي

تجلي البنت في أخر السطر

لم أكن أضمد الصباح بالبنت صاحبة الشعر البني المسترسل والعيون الخضراء، والمطلة من الشرفة الملونة .. وهي تصافح عيني وترسل قبلة مختلسة قبل أن تلحق باص المدرسة. كانت تعلم أنني أخبأ الحكايا الملونة في جيوبي بينما أرد التحية علي الإنتظار. غالبا ـ بعد سنوات كثيرة ـ سأتذكر أنني خدشت أبيض الحمام ، بدكنة تخصني



وصل في وصل في وصل

الشارع، خليط طازج من هرمونات الأنوثة والذكورة. أعبر بائع الصحف والمجلات ذو الوجه الصامت وهو يومىء برأسه دلالة علي عثوره علي ما طلبت من كتب، تاركا كل الهواء محايدا بين صمته وعبوري. علي الجانب الآخر، أري دكان الآيس كريم الشهير، والذي أطلقت عليه لافوازييه الجيلاتي وملك الكيمياء العيارية نظرا لخلطته السحرية وطبقة "الكريمة" الفردوسية التي تغطي بحور المانجو وسماء الفانيليا. سوف يكون خلاصي وجائزتي في طريق العودة علي عناء يوم دراسي ممل .. الآيس كريم هو صلاتي اليومية.
علي اليمين يرقد المبني شديد البياض للمستشفي القبطي العتيق، وفي الطريق راهبات يرتدين الأسود والأبيض كصراع الخير والشر. ألقي عليهم تحية الصباح بالفرنسية وأتلقي إبتسامة ودودة، وحمرة خجل وردية .. ولا مكان للشيطان في رأسي ... أعتقد


الوصول .. ولوثة الحنين

البوابة الكبيرة، وخلفها غدير السمك الملون، بواب المدرسة بلكنته النوبية، عربات المدرسين، حجرة الموسيقي الصالحة دوما للهروب الجماعي، مصدر الضوء الخفي ، اللحظة المواتية ، اسم اليوم المفقود ، الزمن القصي ، وشجر الكافور العتيق ورائحته العسلية
......... ....... ....... ............
....... ....... ............
....... ....... ......

عودة

أعبر البوابة الإلكترونية بعدما أمرر كارت البيانات الممغنط، وأنا أحاول إسكات "الملاح الفضائي" ـ ساتيلايت نيفيجاتور ـ وهو يصرخ بصوت معدني مزعج: إتجه يمينا .. إتجه يمينا.
يصمت تماما بضغطة من إصبعي وأنا أشيعه بشتيمة أمريكية مفضلة لدي
Shut the F*** up.

يستقبلني وجه فريناند رجل الأمن بإبتسامة ناصعة البياض علي وجه بلون الكاكاو ولكنة موسيقية
-Good morning doctor
-Hope you've a wonderful morning, sir

أرد تحيته بإبتسامة خافتة، وأتمتم بعبارات غير مفهومة له

يارب .. إجعل صباحنا لبن حليب.

Friday, November 10, 2006

الملامح النفسية لرجل الشرطة في مصر







إن الشيء الذي يهيمن على روح الجماهير ليس الحاجة إلى الحرية وإنما إلى
العبودية. وذلك أن ظمأها للطاعة يجعلها تخضع غرائزياً لمن يعلن بأنه زعيما.
-جوستاف لوبون

مما لا شك فيه أن لكل إنسان خصائص وصفات تميزه عن غيره في أسلوب تفكيره وتصرفه وإحساسه وإدراكه وردود فعله. وهذه الخصائص والصفات تشكل في مجملها جوهر شخصية الفرد. التي يمكن تعريفها بأنها تلك التشكيلة الفريدة من الانفعالات والأفكار و التصرفات، وهي التي تتيح للإنسان في الحالة السوية النمو والنشاط والتلاؤم مع الحياة، ولكنها قد تنحرف لدى البعض فتصبح جامدة ومتحجرة مكونة أنماطاً مضطربة من الشخصية.

ونموذج رجل الشرطة أو ممثل النظام الأمني في مصر نموذج جدير بالدراسة والبحث، خاصة في ضوء إنتشار الممارسات القمعية .. اللاإنسانية .. بشكل سافر يحمل كثيرا من سمات مرضية في تشكل الأنا لدي هؤلاء ، والنمو الأخلاقي ـ أو بمعني أدق اللاأخلاقي ـ وتكون الضمير المضطرب لحفنة من الدهماء فرضتها سلطة تقتات علي سيكولوجية القمع.

:هوية الأنا الأيديولوجية لدي رجل الشرط
الأنا بالتعريف البسيط هي كيفية الارتباط بالعالم من حولنا
Ego is how we relate to the world.
هوية الأنا هي ""حالة نفسية داخلية تتضمن إحساس الفرد بالفردية والوحدة والتألف
الداخلية والتماثل والاستمرارية ،ممثلا في إحساس الفرد بارتباط ماضيه وحاضره ومستقبله، و أخيرا ممثلا في الارتباط بالمثل الاجتماعية والشعور بالتماسك الاجتماعي الناتج عن هذا الارتباط".
أما هوية الأنا الأيديولوجية فهي ترتبط بخيارات الفرد الأيديولوجية في عدد من المجالات الحيوية المرتبطة بحياته وتشتمل على أربعة مجالات فرعية هي هوية الأنا الدينية والسياسية والمهنية وأسلوب الحياة.

وبتحليل هوية الأنا لدي رجل الشرطة بمصر نجد أنه يعاني من حالتين من تشوش واضطراب الهوية
1- انغلاق هوية الأنا -
يرتبط انغلاق هوية الأنا بغياب الأزمة متمثلة في تجنب الفرد لأي محاولة ذاتية للكشف عن معتقدات وأهداف وأدوار اجتماعية ذات معنى أو قيمة في الحياة مكتفيا بالالتزام والرضا بما يحدد له من قبل قوى خارجية كالأسرة والسلطة والرئيس المباشر.
وتتسم شخصية رجل الشرطة في هذه الحالة بالطاعة العمياء وتنفيذ الأوامر حرفيا، بل والأمعان في إرضاء السلطة بتحويل القمع إلي قهر.
"مثال: حالات الإنتهاك الجسدي والتعذيب والقهر النفسي والتآمر والتهديد وتلفيق التهم والإعتداء اللفظي التي تمتلىء بها ملفات حقوق الإنسان وقضايا التعذيب بمصر
""مثال فني: شخصية أحمد زكي ظابط الشرطة في فيلم زوجة رجل مهم ، وشخصية محمود عبدالعزيز كمدير المعتقل في فيلم البرىء".

2- تشتت (تفكك) هوية الأنا
يرتبط تشتت هوية الأنا بغياب أزمة الهوية متمثلا في عدم إحساس الفرد بالحاجة إلى تكوين فلسفة أو أهداف أو أدوار محددة في الحياة من جانب، وغياب الالتزام بما شاءت الصدف أن يمارس من أدوار من جانب آخر. ويحدث ذلك كنتيجة لتلافي الفرد في هذا النمط للبحث والاختبار كوسيلة للاختيار المناسب. لذلك نجد رجل الشرطة بمصر لا يحمل فلسفة فردية من أي نوع، ويستعيض عن هذا بالدوران الفارغ حول مفهوم الأمن وتأمين السلطة، حيث أن هذه السلطة هي من تعطيه صلاحيات وجوده، وتمده بما يحتاج من غطاء أيديولوجي للتستر علي جرائمه اليومية.

وهكذا يصبح وجود الأمن في صورته القهرية والسلطة في صيرورتها القمعية طرفي معادلة لايستقيم إحداها دون الآخر
كما أن اكتساب او تشكل السلوك الاخلاقي يشمل اكتساب او تعلم القواعد والمعايير والتي توخذ بالشكل الموجودة فيه في البيئة اساسا وذلك من خلال عمليات التعلم والتي تدعم او تؤازر في البداية اساسا من قوى خارجية . حيث يتم تعلم القواعد من خلال ملاحظتها ومن خلال عمليات التعزيز والعقاب .الا ان عملية التعلم التام لا تتمالا بحدوث عملية الاستدخال لهذه الانماط السلوكية كجزء من الشخصية.

وما يتم - علي ما أعتقد - كنسق تعليمي داخل كليات الشرطة هو عملية فرز أولي لإختيار الشخصية القابلة للتشكل وإحلال معيار أخلاقي سلطوي قهري محل آخر. لهذا تحرص وزارة الداخلية علي إختيار الفاشلين من خريجي الثانوية العامة خاصة من الطبقات الدنيا والمتوسطة والبيروقراط والذين لديهم إستعداد لتقبل القهر وممارسته في ذات الوقت. وتعمل النظم الدراسية ـ إن وجد شىء بهذا الاسم في كليات الشرطة ـ علي وقف نمو قدرة الفرد على التمثيل المعرفي للاحداث، وتشويش قدرته على تقييم سلوكه ، وخلق منظومة أخلاقية خاصة بالجماعة كنسق معرفي موجه ضد الجمهور/الشعب/الفرد/المواطن.

لهذا نادرا مانجد أي أعراض ناتجة عن ندم رجل الشرطة علي ممارسة أفعال وحشية لا آدمية تجاه أبناء وطنه، ببساطة لأن الشرطي تم تغيير سلوكه الأخلاقي بسلوك سيكوباتي، وتم وضع رجل الأمن في مكان محصن ضد إختراق أي أفكار عن الضمير والأخلاق وإحاطته بسياج سميك من ضلالات وبارانويا سلطوية وهو الفاشل دراسيا وإجتماعيا وسلوكيا ونفسيا.
لذلك فالسلطة هي ملجأه وملاذه وسبب وجوده.
----------------------------------------------------------
مصطلحات
--------
تشكل هویة الأنا
Ego-Identity Formation
هوية الأنا الأيديولوجية
Ideological Ego-Identity
انغلاق هوية الأنا
Ego-Identity Foreclosure
تشتت هوية الأنا
Ego-Identity Diffusion
في نمو التفكیر الأخلاقي
Moral Reasoning Development
الضبط الداخلي للسلوك
Internalized control of behavior
على التمثيل المعرفي للاحداث
Cognitive Representation

Wednesday, November 08, 2006

.. مفهوم الإبداع



إهداء: إلي الصديق العزيز شريف نجيب صاحب مدونة "هدوء نسبي"
"
Genius is 1% Inspiration 99% Perspiration.
-Thomas Edison

ما الإبداع؟‏

يصدر الإبداع –كما يقول روجرز – عن ميل في الإنسان ليحقق ذاته ويستغل أقصى إمكاناته. وعندما يتفتح ذهن الإنسان أمام خبراته كافة يصبح سلوكه سلوكاً إبداعياً، ويصبح بناءً. هل نستطيع وصف الإبداع وصفاً مقنعاً مهما امتلكنا من القدرات المعرفية؟

الإبداع أمر يعزّ وصفه.. ففي لحظات ما يشعر المرء خلالها أن الفعل الإبداعي صار طوع بنانه وقد هبطت على ذهنه أو شعّ ذهنه بشرارة أو قبس منه.. وفجأة يخبو كل شيء.. وفي أحيان يبدو له أن اقتناص الإبداع سهل وفي المتناول، لكن هذه السهولة لا تلبث أن تصبح أثراً بعد عين فتتبدد على نحو يعصى على الفهم.‏

يفترض في المبدع أن يمتلك نوعاً من التفكير المنطلق المتشعب، وبناء على هذه الفرضية فإن العديد من الدراسات ينفي الارتباط العالي بين الإبداع والذكاء كما يمكن أن يظن كثير من الناس الذين يخلطون بين هاتين القدرتين المعرفيتين.‏

لهذا فإن نتائج إختبارات الذكاء لا تعطي إجابات مفيدة في هذا الشأن. لأن المبدع عامة قلما يلتزم في إجاباته ببنود الإختبار.. فإجاباته تجنح نحو الجدّة والابتكار وتبتعد عن المنوالية التي تفترضها مقاييس الذكاء.. فالإبداع ليس مشروطاً بنسبة الذكاء العالية.
ليس شرطاً أن تكون نسبة ذكائك مرتفعة كي تكون ثاقب الحدس. إذ أن الحدس يعتمد على الإحساس والمجاز أكثر من اعتماده على قدرة الاستدلال والقدرة على الفهم اللفظي وهما مما تعتمده بشكل رئيسي مقاييس الذكاء

ـ التمايز والإبداع:‏

تعكس الأفعال الإبداعية التجربة الإنسانية في صورة شديدة التركيز تحمل عناصر الغرابة والمفاجأة والاختلاف والتمايز في أسلوب التفكير وتداعي الأفكار وارتباطها ببعضها. وهو ما يتحدى ذهن المتلقي ليذهب إلى التعرف على معناها.‏

وكون العملية الإبداعية تنزع إلى تجاوز المألوف وتتصف بقدرة تخطي الذات والتحرر من النظرة الجامدة، لذا تسعى إلى التفتح على عالم متنوع وخصيب بالرؤى والأشكال.‏

المبدع في بحثه عن الجديد إنما يعبر عن حالة إنسانية تتمثل في نزوع الإنسان نحو التمايز والفرادة. وصفة التمايز هذه تعد خاصة أساسية من خواص أي نظام سواء كان نظاماً نفسياً أو بيولوجياً أو اجتماعياً.‏

ويمتاز الكائن البشري، بصورة عامة، بقدرته على تنمية عملية التمايز النفسي المعرفي منذ بدء حياته. ويختلف الأشخاص في أساليب سلوكهم وخصائصهم النفسية، تبعاً لدرجة أو مستوى نمو عملية التمايز المعرفي عند كل منهم.‏

العصاب والإبداع:‏

انكسار الأحلام، وإحباطها، والقمع، تفرضه المواصفات الاجتماعية على المبدعين، الذين كثيراً ما يتصرفون كالأطفال. فالطفل يظل حياً في المبدع وفي أعماق شعوره. ولأن المبدع كذلك، ولأنه في الأعم الأغلب يتميز بحساسية مفرطة، تتجاوز أوسط الأمور، نتيجة طبيعية حيث الجهد والمثابرة من خصائص الإبداع، فالمبدع الذي يواصل اتجاهه ويعمل ذهنه ويركز تفكيره يكون في كثير من لحظات حياته متوتراً وأي عارض أو طارئ يصادفه قد يواجهه بشيء من التبرم لأنه يعيش على حدود دقيقة، ويحتاج إلى التأمل والتركيز كي يكون إدراكه للتغيرات ونواحي الضعف فيما حوله هدفاً لنشاطه، من هذا الإحساس غير العادي بالأشياء والناس، يكون مستعداً للانطلاق نحو سد الثغرات، وحل الغموض، وفك ألغاز الوجود بتكوينات أدبية أو فنية أو غير ذلك من مجالات الإبداع وميادينه. وهذه الحساسية بالمستوى الذي تكونه عند ولادة العمل الإبداعي يصنفها بعض علماء النفس ارتفاعاً بالوعي. وفي هذا التوقيت يكون ذهن المبدع منفتحاً على بيئته ويقوم من خلال مجهوده الإبداعي بدافع من ذلك إلى فهمها وإعادة تشكيلها في الوقت الذي يراقب الأشياء تلفته بعضها حيث لا تستثير انتباه غيره... فيكوّن من الألوان وملمس الأشياء واستجابات الآخرين، وبعض الفقرات في الصحف اليومية أو بعض البرامج الإذاعية والتلفزيونية تشكيلات أو تكوينات أو نصوصاً تتصف بالجدّة والابتكار اللذين لا يبلغهما غيره.‏

وفرط الحساسية عند المبدع، قد يؤدي به إلى الاضطراب النفسي، الذي يظهر انفعالاً حاداً يؤذي صاحبه، ويؤدي إلى سلوك ليس مما هو سائد في بعض الأحيان، قد يؤدي بصاحبه إلى مواقف حرجة، أو إلى نوع من السلوك الانطوائي، وإذا كان مثل هذا السلوك لا يعطل قدرته على التفكير، ولا يقطع صلته بالبيئة يكون المرء قد تعرض للعصاب. الذي قد يؤدي به إلى مواقف حرجة وإلى سلوك انطوائي.‏

وتتنوع أعراض العصاب بتنوع البيئات وتختلف من شخص إلى آخر. ولتحديد السلوك العصابي يمكن الاتكاء على عتبته الدنيا التي تتصل بعتبة الغضب العليا. والعصابي يوصف بأنه شخص سيء التكيف. ولا يكون السلوك العصابي حالة دائمة أو مستمرة في سلوك الشخص وتصرفاته... وإنما يظهر بين فينة وأخرى في استجابات وردود أفعال لكنه يتحكم بصاحبه حيث تصبح الصفة الغالبة على سلوكه الانسحاب إلى عالم خاص به.‏
وينشا العصاب من صراع بين الرغبة ومحاولة تحقيقها. وكلما ازدادت الرغبة اتقاداً زاد احتمال أن يؤدي إحباطها إلى العصاب النفسي، وقد ييسر هذا بدوره تحقيق الرغبة أو يؤدي دور الحافز للتطهير العقلي الذي ينتج عن عمل خلاق وعظيم، ويبدو أن هذا هو أساس العلاقة بين العصاب النفسي والإبداع، وباختصار يمثل العصاب انفعالاً مكبوتاً ويعبر العمل الخلاق العظيم عن انفعال متحقق.

سمات المبدع:‏

يركّز الدارسون في محاولاتهم لتحديد شخصية المبدع على عدد من السمات النفسية، لكنهم في تركيزهم هذا لا يقيمون حدوداً فاصلة بين سمة وأخرى، فهذه السمات مترابطة مع بعضها وغير متمايزة، على أنه ليس شرطاً ليكون الشخص مبدعاً أن يحوز عليها جميعها.‏

إلا أنه كلَّما زاد نصيبه منها كان أكثر إبداعاً وتميزاً. وتتمثل هذه السمات في النزوع القوي إلى الجماليات الشخصية، ولب التحدي غالباً ما يكون في التعامل مع متاهة الغوامض في سبيل صياغة هوية جديدة أو كيان جديد، هذا ما يمكن أن نعدّه سمة أولى من سمات المبدع.‏
أما السمة الثانية فتتمثل في القدرة العالية على اكتشاف المشكلات.‏

ومن جهة ثالثة فالحراك العقلي سمة من سمات المبدع يتمثل بالميل القوي إلى التفكير بمنطق المتضادات والمتناقضات عندما يفكر المبدع بالبحث عن مركب جديد للأفكار.‏

والسمة الرابعة تكون في الاستعداد للمخاطر وفي البحث الدؤوب عن الإثارة، ويرتبط بهذه السمة ما يسمى بتقبّل الفشل، وكلما ازداد إنتاج المبدع ازدادت لديه الفرص لإبداع شيء جديد.‏

السمة الخامسة تكون في إشادة المبدع في عمله عالماً خاصاً، لا حقيقة فيه ويشارك في النشاط لذاته وليس من أجل التقدير.‏

ويبقى السؤال قائماً هل استطعنا بما ذكر أعلاه أن نصف المبدع وصفاً على درجة عالية من الدقة وأحطنا بسمات شخصيته إحاطة وافية؟‏

إن عملية الإبداع من أكثر العمليات المعرفية والنفسية تعقيداً، وليس من اليسير أن يصل البحث فيها إلى تعريف محدد جامع مانع..!
‏ وسيظل الإبداع ذا طبيعة خلافية مفتوحاً كعملية للدراسة والبحث. فهو من حيث المكانة يمثل أعمق وأوسع وأعقد نوع من أنواع التفكير البشري
----------------------------------------------------
Links:
........
1-The Origin and Evolution of Culture and Creativity
2-What are Innovation, creativity, and Design?
data/excerpt/85/04708470/0470847085.pdf
3-The Origins of Creativity
Karl-H Pfenninger/dp/0198507151
4-Creativity, Genetics and Mental Illness
5-Classics in the History of Psychology
6-Musical Talent and Visual-Spatial Ability: Onset of Puberty