Wednesday, November 08, 2006

.. مفهوم الإبداع



إهداء: إلي الصديق العزيز شريف نجيب صاحب مدونة "هدوء نسبي"
"
Genius is 1% Inspiration 99% Perspiration.
-Thomas Edison

ما الإبداع؟‏

يصدر الإبداع –كما يقول روجرز – عن ميل في الإنسان ليحقق ذاته ويستغل أقصى إمكاناته. وعندما يتفتح ذهن الإنسان أمام خبراته كافة يصبح سلوكه سلوكاً إبداعياً، ويصبح بناءً. هل نستطيع وصف الإبداع وصفاً مقنعاً مهما امتلكنا من القدرات المعرفية؟

الإبداع أمر يعزّ وصفه.. ففي لحظات ما يشعر المرء خلالها أن الفعل الإبداعي صار طوع بنانه وقد هبطت على ذهنه أو شعّ ذهنه بشرارة أو قبس منه.. وفجأة يخبو كل شيء.. وفي أحيان يبدو له أن اقتناص الإبداع سهل وفي المتناول، لكن هذه السهولة لا تلبث أن تصبح أثراً بعد عين فتتبدد على نحو يعصى على الفهم.‏

يفترض في المبدع أن يمتلك نوعاً من التفكير المنطلق المتشعب، وبناء على هذه الفرضية فإن العديد من الدراسات ينفي الارتباط العالي بين الإبداع والذكاء كما يمكن أن يظن كثير من الناس الذين يخلطون بين هاتين القدرتين المعرفيتين.‏

لهذا فإن نتائج إختبارات الذكاء لا تعطي إجابات مفيدة في هذا الشأن. لأن المبدع عامة قلما يلتزم في إجاباته ببنود الإختبار.. فإجاباته تجنح نحو الجدّة والابتكار وتبتعد عن المنوالية التي تفترضها مقاييس الذكاء.. فالإبداع ليس مشروطاً بنسبة الذكاء العالية.
ليس شرطاً أن تكون نسبة ذكائك مرتفعة كي تكون ثاقب الحدس. إذ أن الحدس يعتمد على الإحساس والمجاز أكثر من اعتماده على قدرة الاستدلال والقدرة على الفهم اللفظي وهما مما تعتمده بشكل رئيسي مقاييس الذكاء

ـ التمايز والإبداع:‏

تعكس الأفعال الإبداعية التجربة الإنسانية في صورة شديدة التركيز تحمل عناصر الغرابة والمفاجأة والاختلاف والتمايز في أسلوب التفكير وتداعي الأفكار وارتباطها ببعضها. وهو ما يتحدى ذهن المتلقي ليذهب إلى التعرف على معناها.‏

وكون العملية الإبداعية تنزع إلى تجاوز المألوف وتتصف بقدرة تخطي الذات والتحرر من النظرة الجامدة، لذا تسعى إلى التفتح على عالم متنوع وخصيب بالرؤى والأشكال.‏

المبدع في بحثه عن الجديد إنما يعبر عن حالة إنسانية تتمثل في نزوع الإنسان نحو التمايز والفرادة. وصفة التمايز هذه تعد خاصة أساسية من خواص أي نظام سواء كان نظاماً نفسياً أو بيولوجياً أو اجتماعياً.‏

ويمتاز الكائن البشري، بصورة عامة، بقدرته على تنمية عملية التمايز النفسي المعرفي منذ بدء حياته. ويختلف الأشخاص في أساليب سلوكهم وخصائصهم النفسية، تبعاً لدرجة أو مستوى نمو عملية التمايز المعرفي عند كل منهم.‏

العصاب والإبداع:‏

انكسار الأحلام، وإحباطها، والقمع، تفرضه المواصفات الاجتماعية على المبدعين، الذين كثيراً ما يتصرفون كالأطفال. فالطفل يظل حياً في المبدع وفي أعماق شعوره. ولأن المبدع كذلك، ولأنه في الأعم الأغلب يتميز بحساسية مفرطة، تتجاوز أوسط الأمور، نتيجة طبيعية حيث الجهد والمثابرة من خصائص الإبداع، فالمبدع الذي يواصل اتجاهه ويعمل ذهنه ويركز تفكيره يكون في كثير من لحظات حياته متوتراً وأي عارض أو طارئ يصادفه قد يواجهه بشيء من التبرم لأنه يعيش على حدود دقيقة، ويحتاج إلى التأمل والتركيز كي يكون إدراكه للتغيرات ونواحي الضعف فيما حوله هدفاً لنشاطه، من هذا الإحساس غير العادي بالأشياء والناس، يكون مستعداً للانطلاق نحو سد الثغرات، وحل الغموض، وفك ألغاز الوجود بتكوينات أدبية أو فنية أو غير ذلك من مجالات الإبداع وميادينه. وهذه الحساسية بالمستوى الذي تكونه عند ولادة العمل الإبداعي يصنفها بعض علماء النفس ارتفاعاً بالوعي. وفي هذا التوقيت يكون ذهن المبدع منفتحاً على بيئته ويقوم من خلال مجهوده الإبداعي بدافع من ذلك إلى فهمها وإعادة تشكيلها في الوقت الذي يراقب الأشياء تلفته بعضها حيث لا تستثير انتباه غيره... فيكوّن من الألوان وملمس الأشياء واستجابات الآخرين، وبعض الفقرات في الصحف اليومية أو بعض البرامج الإذاعية والتلفزيونية تشكيلات أو تكوينات أو نصوصاً تتصف بالجدّة والابتكار اللذين لا يبلغهما غيره.‏

وفرط الحساسية عند المبدع، قد يؤدي به إلى الاضطراب النفسي، الذي يظهر انفعالاً حاداً يؤذي صاحبه، ويؤدي إلى سلوك ليس مما هو سائد في بعض الأحيان، قد يؤدي بصاحبه إلى مواقف حرجة، أو إلى نوع من السلوك الانطوائي، وإذا كان مثل هذا السلوك لا يعطل قدرته على التفكير، ولا يقطع صلته بالبيئة يكون المرء قد تعرض للعصاب. الذي قد يؤدي به إلى مواقف حرجة وإلى سلوك انطوائي.‏

وتتنوع أعراض العصاب بتنوع البيئات وتختلف من شخص إلى آخر. ولتحديد السلوك العصابي يمكن الاتكاء على عتبته الدنيا التي تتصل بعتبة الغضب العليا. والعصابي يوصف بأنه شخص سيء التكيف. ولا يكون السلوك العصابي حالة دائمة أو مستمرة في سلوك الشخص وتصرفاته... وإنما يظهر بين فينة وأخرى في استجابات وردود أفعال لكنه يتحكم بصاحبه حيث تصبح الصفة الغالبة على سلوكه الانسحاب إلى عالم خاص به.‏
وينشا العصاب من صراع بين الرغبة ومحاولة تحقيقها. وكلما ازدادت الرغبة اتقاداً زاد احتمال أن يؤدي إحباطها إلى العصاب النفسي، وقد ييسر هذا بدوره تحقيق الرغبة أو يؤدي دور الحافز للتطهير العقلي الذي ينتج عن عمل خلاق وعظيم، ويبدو أن هذا هو أساس العلاقة بين العصاب النفسي والإبداع، وباختصار يمثل العصاب انفعالاً مكبوتاً ويعبر العمل الخلاق العظيم عن انفعال متحقق.

سمات المبدع:‏

يركّز الدارسون في محاولاتهم لتحديد شخصية المبدع على عدد من السمات النفسية، لكنهم في تركيزهم هذا لا يقيمون حدوداً فاصلة بين سمة وأخرى، فهذه السمات مترابطة مع بعضها وغير متمايزة، على أنه ليس شرطاً ليكون الشخص مبدعاً أن يحوز عليها جميعها.‏

إلا أنه كلَّما زاد نصيبه منها كان أكثر إبداعاً وتميزاً. وتتمثل هذه السمات في النزوع القوي إلى الجماليات الشخصية، ولب التحدي غالباً ما يكون في التعامل مع متاهة الغوامض في سبيل صياغة هوية جديدة أو كيان جديد، هذا ما يمكن أن نعدّه سمة أولى من سمات المبدع.‏
أما السمة الثانية فتتمثل في القدرة العالية على اكتشاف المشكلات.‏

ومن جهة ثالثة فالحراك العقلي سمة من سمات المبدع يتمثل بالميل القوي إلى التفكير بمنطق المتضادات والمتناقضات عندما يفكر المبدع بالبحث عن مركب جديد للأفكار.‏

والسمة الرابعة تكون في الاستعداد للمخاطر وفي البحث الدؤوب عن الإثارة، ويرتبط بهذه السمة ما يسمى بتقبّل الفشل، وكلما ازداد إنتاج المبدع ازدادت لديه الفرص لإبداع شيء جديد.‏

السمة الخامسة تكون في إشادة المبدع في عمله عالماً خاصاً، لا حقيقة فيه ويشارك في النشاط لذاته وليس من أجل التقدير.‏

ويبقى السؤال قائماً هل استطعنا بما ذكر أعلاه أن نصف المبدع وصفاً على درجة عالية من الدقة وأحطنا بسمات شخصيته إحاطة وافية؟‏

إن عملية الإبداع من أكثر العمليات المعرفية والنفسية تعقيداً، وليس من اليسير أن يصل البحث فيها إلى تعريف محدد جامع مانع..!
‏ وسيظل الإبداع ذا طبيعة خلافية مفتوحاً كعملية للدراسة والبحث. فهو من حيث المكانة يمثل أعمق وأوسع وأعقد نوع من أنواع التفكير البشري
----------------------------------------------------
Links:
........
1-The Origin and Evolution of Culture and Creativity
2-What are Innovation, creativity, and Design?
data/excerpt/85/04708470/0470847085.pdf
3-The Origins of Creativity
Karl-H Pfenninger/dp/0198507151
4-Creativity, Genetics and Mental Illness
5-Classics in the History of Psychology
6-Musical Talent and Visual-Spatial Ability: Onset of Puberty

Friday, October 27, 2006

حادثة التحرش الجنسي .. وسلوك الجماعة




"الوصول إلى الأحكام الصحيحة في الأمور المثيرة للجدل يعتمد إلى حد كبير ..
على الاتجاه الذهني للفرد الذي يصغي إلى هذا الجدل أو يشارك فيه."


ماهي الدوافع التي تؤدي بمجموعة من الناس لأفعال شديدة العنف والهمجية ؟
ولماذا يتسم رد الفعل دائما بالضجيج الإعلامي علي المستوي الرسمي أو الشعبي أو حتي الفردي ؟
لماذا نستمر في إنكارالتأثير القوي والواضح لمفهوم "الجماعة" وماتعتنقه من أفكار أو أيديولوجيا تبرر الأعمال الوحشية أو المتطرفة ؟

قد يكون سبب التجاهل هو الشعور ببعض التعاطف تجاه بعض المعتقدات التي ترتبط بالثقافة ، الوضع الطبقي ، الديانة، أو الأصل العرقي الذي ننتمي له.. وهكذا نفضل تحليل الوضع بعد الحدث وآثاره، وهي مسافة الوعي الزمنية التي تضعنا خارج المعادلة القطبية.
وهكذا نضع "مجموعة ما" خارج نطاق الوطن ، الشعب ، الطبقة ، الديانة أو الأصل العرقي ... هؤلاء الأوغاد ليسوا جزءا من "نحن" النقية الصالحة علي الدوام.

الميل ، والسلوك ، والقيمة.
.................................
من المعروف أن جميع الظواهر النفسية والإجتماعية تخضع في أساسها لمحددات السلوك الانساني الذي يواجهه ويسيطر عليه تركيب خاص يسمي الميل أو الإتجاه النفسي. كما أن القيم تؤثر بشكل واضح وفعال علي هذا السلوك.

فما هو تعريف القيمة ؟
هي الديناميكية التي تدفع الفرد لسلوك معين في موقف معين .. أي أنها التنظيم الخاص للخبرة الناتجة عن تسلط بعض الافكار خلال قنوات الاتصال خاصة عند الفئات التي لاتملك خلفية ثقافية كافية للحماية.

حادثة التحرش الجنسي .. نموذج.
.........................................

ترتبط القيمة ارتباطاً وثيقاً بسلوك الفرد طالما هي التي تكمن وراءه ... وإذا إتخذنا حادثة التحرش الجنسي ببعض الفتيات بقلب القاهرة نموذج، ـ إن حدث هذا أساسا بالشكل الذي تمت روايته.. وهو ما أشك فيه ـ
نجد أن هذه "الجماعة" لم يصدر عنها هذا السلوك إلا بقوة التنظيم الخاص بخبرة هؤلاء ..
فماهي هذه الخبرة التي خلقت تلك القيمة ؟

الخبرة هي الكم الهائل من خطاب العنف الانتحاري القادم من الخطاب المتأسلم ونجومه المأفونة، والخطاب النخبوي المنفصل عن واقع هؤلاء، والخطاب الرسمي النافي لوجودهم أصلا .أما القيمة فهي "إزدراء النساء" .. "فتنة النساء" .. ووضع المرأة في المجتمع المصري ككم مهمل، وعبء ثقيل ، كنتيجة لتكريس جميع أدوات الخطاب الإنتحاري عبر قنوات سمعية وبصرية لخلق حالة من العدوان علي المرأة.

الخطاب الإنتحاري بأشكاله المختلفة ، وتكريس ثقافة العنف ، وخلق فكرة العدو وحالة العداء المستمرة .. مع عدم وجود نافذة أو طاقة للسعادات البسيطة .... كلها أسباب أدت إلي حادثة التحرش الجنسي.


لقد أدي تعميق القيمة التي تدعو إلي أن المرأة متاع الرجل ، بئر الفتنة ، منبع الغريزة ، وشيطان الرغبة .. في وعي تلك "الجماعة" إلي وضعها في موقف يتطلب تبرير أنماط من التفاعل والسلوك لتأكيدها وإثبات صحتها.

لقد أصبحت "جماعة الصعاليك" في حالة من التهيؤ والتأهب العقلي العصبي كافية للقيام بعمل "جمعي" لتأكيد هذه القيمة السالبة علي أرض الواقع وعلي مشهد من الجميع.

سلوك هذه "الجماعة" سلوك فاشي نتج عن ثقافة فاشية أنتجتها نخبة فاشية في مجتمع يخطو نحو الفاشية يحكمه مؤسسة حكم فاشية.
إن العمل الهمجي الذي قامت به هذه "الجماعة" هو مجرد محاولة للتأقلم مع البيئة التخيلية التي رسمتها كل قنوات الخطاب الانتحاري ودعوته المستمرة للعنف تجاه الآخر وتجاه أنفسهم.


من هم هذه الجماعة ؟

هم من أطلقت عليهم النخبوية الثقافية .. المهمشين
وأطلقت عليهم النخبوية المتأسلمة .. المفسدين
وأطلقت عليهم مؤسسة الحكم .. الرعاع
هم من يعانون من صراع حاد بين مظاهر التدين الظاهري في المجتمع والكبت النفسي والاحتقار الطبقي. ماحدث هو حالة من التفريغ النفسي لغضب مكبوت ، دون حل حقيقي.


أما الحلول التي تدعو إلي قتلهم وصلبهم ، هي في حقيقة الامر أفكار فاشية تؤسس لنفس الخطاب الانتحاري وتدعم ثقافة العنف بدلا من قراءة هادئة للحدث.

سؤال: هل هناك من يستطيع أن يحدد من هم هذه "الجماعة" ؟
من حيث السن والطبقة والوظيفة والوضع الاجتماعي ... ألخ.

لقد بح صوت د/أسامة القفاش في الحديث عن الخطاب الانتحاري وأصوله وعواقبه ...

فهل من مستمع ؟

ملحوظة: التحرش الجنسي بالمرأة جزء من السلوك العام منذ فترة طويلة .. قد يكون غمزا ، أو لفظيا ، أو تحوريا علي المستوي المرئي من خلال حركات أو إيماءات مختلفة. ما حدث هو مجرد تأكيد لعدوان موجود أساسا في ثنايا النسيج الاجتماعي.

Wednesday, October 25, 2006

... أن تكون سعيدا




إن كل ما حققته أو فشلت في تحقيقه ، ماهو إلا نتيجة مباشرة لأفكارك الخاصة بك."
- طبيب نفسي -


إن جنس الإنسان هو جنس مفكر وقائم علي عملية التفكير. كما أن عقولنا تعمل بشكل مستمر ، في محاولة لفهم ما نراه وما يمر علينا في كل لحظة من لحظات عمرنا الزمني علي هذه الأرض.
وبالرغم من وضوح هذه النقطة في حياتنا، تظل أكثرها إنغلاقا علي التفسير في مجمل التركيبة النفسية للإنسان. لكن يظل فهم طبيعه الفكر هو الأساس لنحيا حياة سليمة من حيث التوظيف وسعيدة في ذات الوقت من حيث الممارسة.

بداية، التفكير هو قدرة .. ووظيفة من وظائف الوعي الانساني. لا أحد يعرف بالضبط من أين يأتي الفكر ،بل يمكن القول ان الفكر يأتي من نفس المكان ، ربما يأتي من نفس النفحة التي تجعل قلوبنا تنبض وتذكرنا دائما أننا أحياء. وبما أن الفكر والتفكير وظيفة حياتية كما هو الحال مع سائر الوظائف البشريه ، لذلك فهو يتميز بإلاستمرارية سواء رضينا أم أبينا. وعلي ذلك يصبح التفكير عنصر مجرد من عناصر وجودنا .
كل شعور سلبي أوايجابي هو نتيجة مباشرة للتفكير. ومن المستحيل أن تشعر بالغيرة أو الغضب مثلا دون وجود "أفكار" تؤدي إلي الغيرة أو الغضب. أو أن تشعر بالحزن أوالإكتئاب دون وجود أفكار تبعث علي الحزن أو الإكتئاب.

قد يبدو هذا بديهيا ، ولكن إذا إستطعنا فهمه بطريقة أفضل وأعمق قد يكون هذا هو باب السعادة لنا وللعالم من حولنا.

في الأغلب الأعم، معظم المرضي الذين تعاملت معهم علي مدار ممارستي للطب النفسي تبدأ الجلسة معهم كالتالي:
المريض: أنا أشعر أنني شديد الإكتئاب اليوم.
طبيب نفسي: هل لاحظت وجود أفكار إكتئابية أو تدعو للإكتئاب مؤخرا ؟
المريض: لا يوجد لدي أي أفكار سلبية أو إكتئابية .. إنني أشعر فقط بالإكتئاب.

استغرق الامر بعض الوقت قبل ان أعي أن المشكلة هي قنوات الأتصال بيني وبين المريض.

لقد تعلمنا جميعا منذ الطفولة أن التفكير يستدعي الجلوس بمفردك مع بذل كثير من الجهد والوقت وكأننا نبحث عن حل لمعضلة رياضية. ووفقا لهذه الفكره فإن الشخص الذي قد يشعر بكثير من التوجس والقلق من سيطرة فكرة واحدة غاضبة لمدة نصف يوم، قد يشعر أيضا أنه من الطبيعي جدا أن يكون لديه عشرين فكرة لمدة ثلاثين ثانية في المرة الواحدة.

إن التفكير في شيء ما" يمكن ان يتم خلال بضعة ايام او خلال مرور ثانية .. ولكننا نميل إلي إستبعاد لحظية التفكير علي أنها ليست ذات قيمة، هذا إذا كنا نسلم بها على الاطلاق.... الامر ليس كذلك.

المشاعر هي نتيجة .. ورد فعل مباشر للإفكار ، بغض النظر عن الوقت الذي تم فيه حدوث الفكرة.
علي سبيل المثال لو أنك فكرت ولو بشكل عابر أن أخيك يستحوذ قدر من الإهتمام أكثر منك .. وأنك لا تحبه، هذه الفكرة وشعورك بالإستياء تجاه أخيك ليست مجرد مصادفة.

مثال آخر

الفكرة: رئيسي في العمل لا يقدرني ، أنا لم أنال التقدير الذي أستحقه.
الشعور: شعورك بالكره لعملك ووظيفتك.

هذا الشعور حدث بمجرد ورود الخاطرة أو الفكرة .. والفارق الزمني بينهما فارق لحظي من الصعب تحديده، لذا فنحن دائما مانخلط بين الشعور والافكار المسببة لها.

إن التأثير السلبي للأفكار دائما ما يأتي عندما ننسي أن التفكير وظيفة من وظائف الوعي، وقدرة نتملكها كبشر عاقل. نحن الذين ننتج أفكارنا وأطر تفكيرنا. الافكار ليست أشياء تحدث لنا، لكنها أشياء نفعلها ووننتجها في دائرة الوعي.
الافكار ليست خارجة عن الذات، فهي تأتي من دواخلنا.... ما نفكر فيه يحدد بدقة ما نراه بالرغم من أنه يبدو عكس ذلك.

تذكرون حادثة زيدان لاعب فرنسا في نهائي كأس العالم السابق. قد تمر أعوام كثيرة علي هذه الحادثة ، وبعد السنوات الكثيرة قد يركز زيدان علي هذه اللحظة وهذا الخطأ بالرغم من تاريخه الرياضي الحافل بالبطولات. وقد يسأله بعض أصدقائه: لماذا أنت مكتئب بعد مرور زمن طويل فيجيب بأنه قد قام بخطأ فادح .. وأي شعور نتوقعه منه غير الأسف والإكتئاب. هنا قد لايري زيدان أنه المنتج لأفكاره، وأن هذه الافكار هي سبب تعاسته.
حتي وإن وجهنا نظره لهذه النقطة فسوف يجيب بكل صدق: بالطبع لا .. سبب تعاستي هو أنني اخطأت وليس لأنني أفكر في هذا الخطأ بإستمرار.

نستطيع إحلال وإبدال مثال زيدان بمواقف مختلفة مثل: علاقة قديمة ، حب جديد ، أزمة مالية ، نقد لذواتنا، كلمات جارحة تلفظنا بها عن عمد ، حقيقة الامر بأن آبائنا لم يصلوا إلي حد الكمال الأنساني ، إختيار خاطىء لشريك الحياة ، أو المهنة.... إلخ.
كل هذه الأمثلة تتطابق في جزئية واحدة: أن الشعور المصاحب لها ناتج عن تفكيرنا وليست الظروف المحيطة بالحدث.

يجب علينا ألا ننسي أننا من لحظة لآخري نتحكم في طريقة تفكيرنا، وأننا من نقوم بعملية التفكير... وألا نقع في أحبولة أن الظروف المحيطة هي السبب فيما نشعر وتجربتنا في الحياة.

Saturday, October 21, 2006

رد علي مقال "الصهيونية على "الشازلونج" النفسي




حاولت مرارا وتكرارا الابتعاد عن نقد الخلط والخرف الفكري تحت مسميات علمية لكثير من المقالات المنشورة بموقع إسلام أون لاين.


وحينما طالعت "صدفة" مقال "الصهيونية على "الشازلونج" النفسي!" لكاتبه د.محمد المهدي ولقبه العلمي المسطر بآخر الصفحة هو إستشاري الطب النفسي .. رأيت من الواجب تفنيد مزاعم هذا الطبيب من الناحية المنهجية، وكشف الكم الهائل من الجهل والإدعاء الكامن تحت عناوين براقة وألقاب لامعة.

بداية، لست أتعرض هنا لموضوع المقال، بل للمنهج المستخدم والجهل المطبق بأوليات التحليل النفسي
Psychoanalysis

يبدأ المهدي مقاله بجملة شديدة الإلتباس والتعميم ليجمع بين اليهودية والصهيونية في إناء واحد. ويظل يتأرجح بين الشخصية اليهودية والشخصية الصهيونية - حسب تعبيره - في سرد وصفي وكأنهم نفس الشىء.ثم ينبري هذا الطبيب المهدي ويحدد تشخيصه قبل عرض الحالة، مدعيا بإستخدام "التحليل العلمي النفسي ". ولم يحدد الشيخ الطبيب منهجه في التحليل النفسي، وهل هو فرويدي أم يونجي .. وأغلب الظن أنه يتبع المنهج الحفلقي في التدليس والتهييس.

وهاهو يدعي الموضوعية والالتزام فيقول" وحاولنا رؤية الصهيونية من جانب آخر أكثر موضوعية والتزامًا، هو الجانب العلمي، فإننا نستطيع أن نرصد الملحوظات التالية: حين يعتبر اليهود أنفسهم شعب الله المختار ......... الطبيب يحاول رؤية الصهيونية ويبدأ منهجه " التحليلي" بالحديث عن اليهود جملة. لن نتعرض لتشخيصه بأننا أمام "مرضية "بارانويا" سوي بتوجيه نظره إلي معلومة أولية وهي أن مرض البارانويا كأحد أمراض الشخصية
Personality Disorders
يرتبط بشكل كبير بفقدان الهوية والتوحد مع الضحية
Identity Loss & Victim Identification
والتوحد ثلاث أنواع: توحد مع المفقود الميت، أو توحد مع البطل، أو توحد مع الضحية
وهو غالبا مايصاحب بنوع التعبير عن الغضب بدلا من الضحية.

أما عن الهوية، فمن المعروف أن العرق اليهودي يحمل هويته أينما ذهب كتابوت العهد علي كتفيه، وأما عن الضحية .. فأي الانواع تقصد؟ ولماذا؟

وهكذا ظهر ضلال المهدي من خلال علم واضح بالأقوال الإبتدائية التي كنا نحفظها من كتاب المطالعة الرشيدة، ليكسب بها ثقة من لا يفقهون القول فيتبعون أسوأه... ويغازل ممولي هذا الموقع ضاربا بعرض الحائط أصول الكتابة العلمية وأدبيات التحليل النفسي .
وربما فعل هذا لشىء في نفسه، أو شىء في جيبه.

ومما يسترعي العجب تلخيصه للعلامات المرضية بدون تحديد لمن تنتمي هذه العلامات. هل تنتمي الي اليهودي أم الصهيوني أم كليهما؟
كذلك علاجه الناجع الفاجع بالكي أو البتر .. لمن؟ لليهودي أم الصهيوني؟ فالفرق كبير بين ديانة توحيدية وأتباعها وبين حركة عنصرية عفنة كالصهيونية.

وكما كان فرويد مقتنعا بأن الإنسان لا يسير مدفوعًا بالليبيدو وحده ، بل وبجملة أخرى مجهولة من الدوافع اصطلح على تسميتها بـ"غريزة الموت". وهو القائل بأن الوظيفة الأساسية لغريزة الموت، هي تدمير الفرد وإعادته إلى حالة الجمود وانعدام الحياة. وقد رأى فرويد في العدوان الصريح المظهرَ الخارجي لهذه الغريزة.

كذلك أيقنت من خلال هذا المقال بأن كاتبه يعاني من شيئيين:
1- غريزة الموت
2- مفهوم المريض في دفع كونتير-ترانسفيرينس
patient-induced countertransference
وهي الحالة التي يتلبسها الطبيب المعالج لا شعوريا ليحل محل الشخص المسبب
لمشكلة المريض النفسي.

أيها الطبيب المهدي بدلا من تمييع المنهج والإستخفاف بعقول القراء .. عليك أن تدعو إلي ممارسات التربية الهادفة إلى تعزيز الكوابح ضد العدوان لبعث الكثيرَ من الأمل في التخفيف من غلواء العنف.

هناك مئات الأبحاث التي تسبر أغوار الشخصية اليهودية، وتفضح إدعاءات الفكر الصهيوني الملتبس، ولكنها تقوم علي منهج علمي ملتزم، وجهد شاق، وعمل دؤوب، وليس الإدعاء بالمعرفة ، والإفتخار بالألقاب السنية، والتحدث بما ليس لك به علم .

الاطلاع والتحصيل هو زادك الذي تحتاجه لإكتساب الكياسة وفقدان التياسة

ونظرة ياشيخ مهدي .. ولكن في الكتب