Saturday, February 10, 2007

زهرة البستان.. ليل خارجي


إهداء: إلي عراف النار .. د/ عصمت النمر

تذهب الأجيال من الناس، وتبقي أخري

أولئك الذين بنوا مزارات لقبورهم، فإن أماكنهم أصبحت كأن لم تكن

تأمل ماذا جري فيها .. تأمل مساكنهم هناك !

فإن جدرانها قد هدمت، وأماكنها قد أصبحت لا وجود لها

كأن لم تكن قد وجدت قط

ولم يأت أحد من هنالك

ليحدثنا كيف حالهم .. وليخبرنا عن حظوظهم

لتطمئن قلوبنا، إلي أن نرحل نحن أيضا

إلي المكان الذي رحلوا إليه


ـ أنشودة علي قبر أحد ملوك الاسرة الحادية عشر 2100 ق م ـ

من مقدمة رواية "ديار الآخرة" لأحمد والي


يا من تذهب .. ستعود

يا من تنام .. سوف تنهض

يا من تمضي .. سوف تبعث


ـ من كتاب "اليوم الوشيك القدوم" ـ

من مقدمة رواية "ديار الآخرة" لأحمد والي


المكان: مقهي صغير تعلوه لوحة كبيرة كتب عليها .. زهرة البستان ملتقي الأدباء والفنانين.

شارع صغير يعج بطاولات علي الجانبين، كل الكراسي بلاستيكية عدا ثلاث طاولات .. وجوه قليلة أعرفها، والبقية المجهولة إجتمعت للحديث عن الوطن المجازي ودعم الثقافة الرفيعة ، والقيام بأدوار تنويرية في ظل دعم كامل من مؤسسات الدولة والوزير" الفنان


فتاة ترتدي بنطلون "جينز" ضيق ـ عفوا لابد من تصحيح العبارة ـ بنطلون جينز ضيق "يرتدي" فتاة من الحجم العائلي يصرخ طلبا للرحمة، والفتاة تحمل منتجات ماكس فاكتور القديمة عبئا علي وجهها .. أيقنت أنها تبحث عن دور "ريادي" في منظومة الثقافة شديدة الشفافية.


لم أستطع الفكاك من فكرة ربط "زهرة البستان" برائحة النوشادر التي تملأ المكان، لا أظنها مصادفة خاصة بعدما إستمعت إلي حكاية أحمد والي وحجب الجائزة عنه لأسباب سياسية دينية بيئية تتعدي حدود فهمنا الانساني المحدود. تذكرت علي الفور حكاية صديقي العزيز كاتب السيناريو المبدع وكيف أن التليفزيون المصري رفض عرض مسلسله الأخير نظرا لأن النص يعمق الفجوة بين السلطة "الطيبة" والمواطن

"الشرير" من خلال الحديث عن البطالة وتداعيتها وهو أمر غير محمود في ظل القيادة الرشيدة والرخاء المبعثر علي وجوه الخلق... عجبي


مع حركة الظل الآتي من مصابيح متناثرة حول طاولة خشبية ، رأيت عصمت النمر قادما تحمل قسماته جدية تخفي تحتها شياطين المرح والشعر. تخرح كلماته لتنحت مجري قديم لنهر من الود وهو يحادث أسامة .. ويبدأ مفتتح الكلام ليخرج الليل عن وقاره وكآبته، ويطل وجها نادرا لا يمر بدون إحتفاء.


عرفته شاعرا، يحوم حول عدة أفكار تدور كلها في المناطق التي يتم التعبير عنها بالإيماء، وتكون اللغة مفسدة إذا حاولت التدخل.

يكتب هو ذا الوقت .. نهر متكئ على كتف الشواطئ ، وكأن الوقت نقص ما يستكمل، فإن كمل ينقص شىء. ثم يعيد ترتيب ما أنجز .. حتي يتجلي السابق في تكملة اللاحق

حقا، إن لرقص اللغة عجيب مغر، قد يحملك الوقت حتي تستكمل نفسك فيه .. أو تهرب من روعة كشفك.


بدأ الحديث بالسباب لضمان ذوبان أي عوائق نفسية وإختصار المسافات عبر الطرق الجانبية لتكوين منازل للألفة.. أو "المضيفة" بالتعبير الفلاحي الأصيل. عصمت هو فلاح مصر الفصيح، ابن العمدة الذي قرر أن يصبح جراحا ماهرا .. لكن تلافيف عقله قد سكنتها عفاريت الطاحونة والنداهة وأم الشعور وجنيات النهر وعروسة البحور وشياطين الشعر في "داير الناحية" لتعطيه إرثا أسطوريا وطلاقة شعرية متفردة

ماهي إلا دقائق وهبط علي المكان .. أحمد والي. وبدأت الحكاوي ولم تنتهي. أخذ أحمد يحدثنا عن نساء قريته والرجل الذي بترت ساقه فقرر أن "يدفنها" في مقابر القرية ليزورها مرة كل أسبوع، وحكاية محمد أبو سعيد الذي وجد مقبرة ممتلئة بأعضاء وبقايا جثث آدمية مخلوطة ببقايا أكمام وبناطيل كاكية لجنود وضباط مصريين ، والعم اسماعين ونبوية أم شفاتير ....... ويظل الحكي

كنت أظن ـ ومازلت ـ أن عم خيري شلبي هو الحكاء الاعظم ومن علمت من خلال "حكاويه" المنطقة الفاصلة بين الريف والحضر والمدينة. ثم جاء عبدالحكيم قاسم ليفتح نافذة جديدة علي "عمق الريف في الدلتا" في رائعته أيام الأنسان السبعة. وهاهو أحمد والي "يتنطط" علي سلالم الحكي عازفا علي ربابته الخاصة مارش المتصنتون وسلام رجوع الميت في "ديار الآخرة" كلحن مصري فرعوني فلاحي أصيل


تحدثنا عن الألوان والسينما وصحراء التتار .. الكتابة والموسيقي، الطب وسنينه، الاديان والفقه والمفهوم الماركسي. الشاي علي ميه بيضا والشاي أبو فتلة والشاي الكشري


رأيتهم الثلاثة .. عصمت وأسامة وأحمد، رجال يسندون الايام بأجسادهم، ودراويش لا يجدون في خطواتي مايزعجهم .. تذكرت صديقي محمد والطيبة التي تنتشر مع كل كلمة من كلماته.. وصديقي ياسر وهو يؤكد بإصرار غريب علي أنه لا يصح إلا الصحيح.. وأسامة وهو يعيد ترتيب حوادث التاريخ وكأنه يقرأ كتاب مفتوح في ذاكرته..

وتذكرت صديقتي القديمة وعشبها الفضي وطراوة اليدين وانفلاتة الجسدفي الطريق ..


قابلت بيوتا تأخذ الغرباء بالأحضان، وأحببت بوابة مسجد السلطان حسن، ومئذنة أبي العباس التي تسلقتها يوما بعيدا في أقاصي الطفولة..

قابلت عابرين كثيرين وصافحتهم بحرارة ووعدتهم بأيام جميلة علي بعد خطوات من حاضرهم


الخطوط واضحة .. والأشياء لها عبق خاص والمشهد الذي حاولت إسترجاعه موجود بشكل واضح داخل الكادر.

لكن الاضاءة لم تستقر بعد

....


وخرجت من زهرة البستان .. والسماحة عالقة في الثياب


علي وعد باللقاء فوق جسور النور والازمنة النار


.....

...

..