Monday, September 04, 2006

إسماعيل ياسين .. جوهرة وأيقونة صنعتها الناس



.. إهداء خاص للصديق أسامة القفاش والصديق ياسر ثابت ... وكل من يحب فن العبقري إسماعيل ياسين

المرء مع من لا يفهمه مثل السجين .

جلال الدين الرومي


- A day without laughter is a day wasted.
- Failure is unimportant. It takes courage to make a fool of oneself.
- I remain just one thing, and one thing only— and that is a clown. It places me on a far higher plane than any politician.
- In the end, everything is a gag.

- Charlie Chaplin -


يشاع أن أهل السويس لا يضحكون ، وربما يكون الأمر كذلك، حين إمتلك إبن السويس إسماعيل ياسين صندوق المرح، وخزانة الفكاهة، وبيانولا الضحك ليدور بها علي كل حارة في مصر .. يوزع موهبته علي أطفالها وشبابها وشيوخها، جيلا بعد جيل.

دائما ما يأتي إسماعيل ياسين كالدرويش ـ بين الحضور والغياب ـ كي يبعث دفئا في الضواحي الباردة، ويسعد قلوبا استيقظت مقلوبة رأسا علي عقب، كمزاج الكراسي المقلوبة فجرا علي طاولات المقاهي في كل ركن من أركان المحروسة.

السينما والأيقونة .. تعريف
-----------------------
تعريف السينما والأيقونة مدخل أساسي لفهم أعمق لما يمثله إسماعيل ياسين كنموذج بدئي جمعي للشخصية المصرية.


"في الثقافة العربية .. السينما تُسمى "الخيالة" وهي بذلك تستدعي عالم الغيب والأسطورة بما فيه أيضًا من استدعاء لغيب في الخيال، وحبسه في لحظة مجسدة على شريط السينما، وكانت هذه هي البداية لأن تكون السينما هي التعبير المباشر عن فكرة ما بعد الحداثة، حيث لا يوجد غيب -وبالتالي لا يوجد إيمان- وكل ما نتخيله أو نصدقه يجب أن يكون مجسدًا أمامنا، فيما يسمى "أيقونة" وهي عبارة عن الرمز الدال على شيء غيبي حتى يتحول إلى محسوس يحمل قداسة هذا الغيب من ناحية، وينفي وجود الغيب من ناحية أخرى.

السينما -إذن- هي الخيال المنظَّم، والأيقونة المستمرة المتجسدة، ومن ثم فهي أقدر الفنون على حمل الرسالة الأيقونية لما بعد الحداثة، بمعنى أن كل ما نراه أمامنا على الشاشة ليس رمزًا، وإنما هو الشيء ذاته. وهذا الانطباق التام ما بين الدالّ والرمز والمرموز له هو أحد أهم خصائص الرسالة الأيقونية. الجانب الآخر من السينما نجده في عبارة "صناعة السينما"، بمعنى تعلُّق السينما بنمط الإنتاج الصناعي أو الإنتاج بغرض الربح، ومن ثم الإنتاج السلعي. إن "سلعية السينما" هي الوجه الآخر لعملية الأيقونة، فالأيقونة ليست فقط انطباقًا للدال على المدلول، ولكنها أيضًا سلعة في سوق. وكل فرد يختار أيقونته الخاصة ليعبدها ويتعبد لها ويتمثل فيها ويتعين داخلها. "1

عندما حاولت البحث في الفضاء السيبيري المتسع عن مقال واحد يتحدث عن إسماعيل ياسين كواحد من أهم أعمدة فن الكوميديا في مصر .. لم أجد. اللهم ترهات كلامية تتطاول علي أداء إسماعيل ياسين، دون تحليل المكون الثقافي والشعبي للكاراكتر التي رسمها إسماعيل ياسين علي الشاشة الفضية لعقود طويلة.
لم أجد سوي مصطلح أطلقه الناقد الراحل سامي السلاموني علي أفلام إسماعيل ياسين وهو "سينما التخلف العقلي" .. مع إحتقار ظاهر لسينما الكوميديا المقصود منها إضحاك الجماهير بأي وسيلة. وسار علي نفس الدرب محمود الغيطاني واصفا إسماعيل ياسين بالمعتوه والبهلوان العبيط. وقد جاء هذا في معرض حديث هذا الغيطاني عن فيلم آخر.
وهو وإن دل، يدل علي غياب الرؤية والنمطية السائدة في كتابات من يطلقون علي أنفسهم ـ مجازا ـ نقاد سينمائيين.

إسماعيل ياسين .. كنموذج بدئي للمصري الشعبي
----------------------------------------------

إن إسماعيل ياسين ظاهرة فريدة في السينما المصرية.. فهو نجم الشباك في زمن كانت الكلمة العليا للوسامة والتأنق علي غرار أيقونات السينما الأمريكية. إسماعيل ياسين أيقونة سينمائية صنعتها الناس، ولم يصنعها أو يشكلها أصحاب شركات الإنتاج ورؤوس الأموال.

بين إسماعيل ياسين .. وكارل يونج

يري يونج أن الفنان ليس مخلوقا عاديا يبدع أعماله عن قصد وتفكير وروية .. بل هو مجرد أداة في يد "قوة عليا" لا شعورية. ويتسم هذا المفهوم علي مستوى البنية بروح قدرية تعد هي الأخرى ملمحا من ملامح التشابه بين الفن والتصوف. فالعمل الفني يصنع الفنان وليس العكس ومن العبث مطالبة الفنان بتفسير عمله وهو أقرب إلى الحلم إذ لا بد وأن يظل غامضا ملتبسا.
وقد كان إسماعيل ياسين مثالا للفنان الذي صنعه فنه وصنعه المتلقي في آن واحد. فقد نجح "سمعه" في إستدعاء المكون الثقافي والشعبي للإنسان المصري بكل طيبته غير المصطنعة، وخوفه من السلطة/الحاكم/صاحب العمل، والحيلة بدون مكر، والتوكل علي الله/الصدفة/القدر في كل وقت.وهي عملية في حد ذاتها تمثل إنقلابا علي مفهوم الإستدعاء نفسه ، حين يتجاوز الوعي منطق الإدراك.

إسماعيل ياسين تجاوز حاجز الشخصية النمطية ـ الأيقونة ـ في السينما المصرية، وفككها من خلال رموزها .. ومن ثم تجاوز الثقافة الشعبية بالكشف عن إنتشارها اللامحدود.
ولهذا، تمتع إسماعيل ياسين بحرية الإلتباس الأول فيما هو واضح أو واقعي عملا بمبدأ كل شىء يجوز
Anything goes
لإستشراف المقومات الاساسية للإنسان المصري، وإعادة تمثيله في حرية مفرطة، كممارسة تضرب بجذورها في عمق ثقافة رجل الشارع والفرد العادي بكل تراثه اللغوي والبصري.

لقد كان نجاح وإستمرارية إسماعيل ياسين يقوم علي عنصرين أساسيين

أولا: إسماعيل ياسين جعل المتفرج هو البطل .. الشجيع .. القوي .. ساحر النساء .. الثوري، وتبادل معه الأدوار كلعبة الكراسي الموسيقية، بأن إرتضي لنفسه نموذج الإنسان المغلوب علي أمره، الخائف الحذر مع كل أشكال السلطة، المتسامح دائما، الباحث عن السعادة، غير الوسيم ذو المظهر البسيط، والمتوكل دائما علي الله.
لم يعبر إسماعيل ياسين عن ظرف إجتماعي محلي، ولا عن خبرة فردية، بل عن مجموع الحاجات البشرية المشتركة، وعن الغرائز والإمكانيات الموجودة في حدود الثقافة الداعمة لها.

"سمعه" .. القانع دائما والمتبرم دائما والساخر دائما من حاله وحال االآخرين .. يقع في مواقف خارجة عن وعيه ـ المليونير، الدنبا لاتضحك، الآنسة حنفي ـ والمعتمد دائما علي صفاء سريرته، ونقائه الاخلاقي وسذاجته المفرطة وحسن ظنه بالمتفرج والآخرين .. كأنه يقول لنا أن كل شىء يضايقنا في الآخرين يمكن أن يؤدي بنا إلي أن نفهم أنفسنا.

ثانيا: الشخصية الإنبساطية
إسماعيل ياسين هو الشخصية المنفتحة، الاجتماعية المتفائلة، الساعي الي مساعدة الآخرين بدون مصلحة شخصية وقد جسدها علي أساس :
التفكير .. وهو بسيط غير مركب وبعيد عن التجريد
الشعور .. وهو قدرته علي تقويم سلوكه وسلوك غيره من الناس
الإحساس.. وهو تواصله مع الآخر بالإدراك الحسي بدون تكلف
العيان.. وهو المكون الأساسي للشخصية عند إسماعيل ياسين حين يتكلم عن إدراك الوقائع التي لا تدرك عن وعي وإعتماده علي العيان لحل مشاكله التي لا يمكن حلها بطريقة عملية.

إسماعيل ياسين .. صنع من نفسه نكتة ـ كضرب من القصد الشعوري ـ كي يضحك عليها الآخرون، ليعفوا أنفسهم من أعباء الواجبات الثقيلة، ويستمتعوا بإحساس التفوق الوقتي علي بطل الفيلم، ويحولوا الفكر والشعور عن مجراه الغارق في ثقل اليومي والمعاش .. حتي يتأتي للنفس سرورها، وللقلب ضحكته.

وقديما قالوا: الشعر يمكن أن ينقذ العالم .... أعتقد أن الضحك والفكاهة أقدر علي القيام بهذه المهمة.

رحم الله إسماعيل ياسين ..الرمز والأيقونة والحاضر دائما.

-------------------------------------------

1- العالم يشتري... السينما الأمريكية تصنع الأصنام......... د.أسامة القفاش


Saturday, September 02, 2006

هكذا تكلم .. الفيلسوف الضاحك






أن تعرف ولا تفعل .. فهذا معناه أنك لم تعرف بعد.
ـ الحكيم الصيني زن ـ



حينما يتكلم الفيلسوف الضاحك، فإنه يخاطبكم لأنه يهتم بإبن الإنسان، وبخلق الله، وبني آدم، والبشر جميعا.

لا يبحث الفيلسوف الضاحك في الكون اللانهائي، ولا عن العالم غير المحدود. إنه يبحث عن الإنسان العادي، رجل الشارع، العابرين بغير كلام ، والسائرين في إطراق ، والباحثين عن شىء ما في الغبار.

إن تفكير الإنسان يسوء عندما يبحث عن تفسير لما يريده ، وهكذا تكثر التناقضات في أقواله.
والفيلسوف الضاحك لا يفتأ يرهق إبن الإنسان، ويقول قوال: إنه يجد لذة في ذلك.
أما هو فلا يعرف شيئا. إنه يتعلم منكم ما يجهله، و يوضح للإنسان أنه لا يعرف ماذا يريد.

أنت تريد الخير دون أن تعرف ماهو ، ولهذا يضل التفكير ويسوء السلوك.
لكي تتعلم كيف تفكر جيدا ، لابد أن تعرف كيف تتفلسف جيدا. والتفلسف الجيد علي أية حال هو التفكير معا في ما يريد الجميع وما يجهله كل واحد.

يوجد خير عام، ولكن لا نستطيع الوصول إليه.

لكي تعرف ماتريد لابد وأن تسأل ذاتك. لا أحد يستطيع أن يقول ما يجب أن تفعله، ولا أحد يستطيع أن يفكر نيابة عنك. وحده الفيلسوف الضاحك، هو القادر علي توليد أفكارك الخاصة .. وهكذا يصبح المفسر لإرادة كل واحد منكم.
إنه هو الذي يقول لك ماذا تريد.

الفيلسوف الضاحك ليس هو المنعزل عن الآخرين ، ليس المنفرد بذاته، ليس المنعزل المتوحد. الفيلسوف يحتاج إلي الآخر، كلماته نداء وفكره تفاعل مع الإنسان في قوته وضعفه.
لذلك فالفلسفة، عندما لا تصبح إنسانية، ليست إلا مجرد لعبة ذهنية، وهكذا ضل السوفسطائيون وتاه فكرهم عندما فقدوا الاتصال الإنساني.

الفيلسوف الضاحك يفضل الإنسان في كل وقت، المتمتع بحسن الظن والإرادة الحسنة، والذي لا يحتاج لمعرفة الحقيقة إلا أن ينظر في ذاته بوضوح.

الفلسفة كما يراها فيلسوفنا الضاحك ليست تبحث عن تأويل للعالم، بقدر ما تنقب عن وسيلة لإنزال الفلسفة من برجها العاجي في السماء، إلي أرض الإنسان ومنبت الزهر، كي يجد فيها كل فرد أجوبة عما يطرحه من أسئلة.

وقد دفع سقراط حياته ثمنا لذلك عندما أراد للفرد العادي أن يفكر جيدا وهو مادفع الأثينيين لقتله بالسم تحت مسمي المصلحة العليا لكيان الدولة .. فما أشبه اليوم بالبارحة!

لذلك فالنوايا الحسنة لا تخلق أرض الفضيلة ولا يوتوبيا الإنسان. فالأمر يتطلب خلق مجتمع تسود العدالة الحقة ، ليصبح الخير حقيقة ملموسة كما تصورأفلاطون في جمهوريته.
ثم جاء العلم ليحلل أصول المجتمعات البشرية وينظر لمختلف التنظيمات الاجتماعية التي عرفها بني الإنسان عبر التاريخ.

عندما نظر الفيلسوف الضاحك للتاريخ، رأي أن فكر الإنسان قد سار عبر مضيق الأخلاق إلي جسر المدينة الفاضلة ليعبر إلي طريق العلم،

ولكن بقي شىء لم يحدث بعد: الجمع بين الثلاثة في أصالة مؤكدة و رصانة متفردة.

إن البحث عن العدل ضرورة ، والإتحاد لإقامة العدالة واجب ، والعلم هو المصباح الذي ينير الطريق، ويدلنا علي أفضل الطرق للوصول إلي المجتمع المثالي والدولة العادلة.


هكذا تكلم الفيلسوف الضاحك.